الجاحظ
81
رسائل الجاحظ ( الرسائل الأدبية )
ثم إن الجسم القصير لا ينحني عند الشيخوخة ولا تعوج عظامه ، ويسعه كل باب ، ولا تخرج رجلاه من النعش . ثم إن صغار النبات أجمله ، كالفلفة والزنبقة الخ . . وعلاوة على ذلك فقد توصف الأرض بالعرض دون الطول ، ووصف اللّه الجنة بالعرض دون الطول وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وقد وجدنا الأفلاك مدورة لا مطولة وكذلك القمر والبحر والدينار والدرة . وكلها مضرب الجمال . فكيف لا يكون أحمد بن عبد الوهاب جميلا كالقمر والدينار والزهرة والدرة والمهاة والعمامة ؟ . ومن الناحية الخلقية يركز الجاحظ على خلتين في أحمد بن عبد الوهاب هما حب المراء ، والادعاء بما ليس فيه . فهو كلف بالجدال يكثر من الاعتراض ويميل إلى الخلاف ويؤثر المغالبة والمعاندة . ولو كان يعقل ذلك عن علم وبصيرة لهان الأمر ، ولكنه لا يعرف الحجة ولا موضع الشبهة ، ويعجز عن الرد والافهام . وبدل ان يعرف قدره ويقف عند حده ، نراه يطاول محمد بن عبد اللّه الزيات وينافره ويراهنه في المحافل والمجامع ، ويطمح إلى مخاشنة الجاحظ نفسه ومظارفته ، ويستهين بالنظام ، والأصمعي ، ويستخف بالأحنف بن قيس . ومن الناحية العقلية ، ينعت الجاحظ أحمد بن عبد الوهاب بالجهل وضيق أفق التفكير ، وبأنه لم يأخذ العلم عن أربابه بالسماع والمجالسة بل اقتنى الكتب وقرأها دون ان يفهم منها الكثير ؛ وهذا ما يعنيه بقوله : « كان قليل السماع غمرا وصحيفا غفلا » . ومع ذلك كان يدعي الأدب ويعتمد بمواهبه ومعارفه حتى غدا لا يطاق ، وهذا ما حدا الجاحظ كما يقول على تأليف هذه الرسالة ؛ والهدف منها كشف قناعه وابداء صفحته للحاضر والغائب